ابن كثير

312

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

عبد الدار جفنة مملوءة دما ، ثم تعاقدوا هم وبنو عدي بن كعب بن لؤي على الموت ، وأدخلوا أيديهم في ذلك الدم في تلك الجفنة فسموا « لعقة الدم » فمكثت قريش على ذلك أربع ليال أو خمسا ، ثم إنهم اجتمعوا في المسجد فتشاوروا وتناصفوا ، فزعم بعض أهل الرواية أن أبا أمية بن المغيرة بن عبد اللّه بن عمرو بن مخزوم ، وكان عامئذ أسن قريش كلهم ، قال : يا معشر قريش ، اجعلوا بينكم فيما تختلفون فيه أول من يدخل من باب هذا المسجد يقضي بينكم فيه ، ففعلوا ، فكان أول داخل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم ، فلما رأوه قالوا : هذا الأمين رضينا ، هذا محمد . فلما انتهى إليهم وأخبروه الخبر قال صلّى اللّه عليه وسلم : هلم إلي ثوبا ، فأتي به فأخذ الركن ، يعني الحجر الأسود ، فوضعه فيه بيده ، ثم قال : لتأخذ كل قبيلة بناحية من الثوب ثم ارفعوه جميعا ، ففعلوا حتى إذا بلغوا به موضعه ، وضعه هو بيده صلّى اللّه عليه وسلم ثم بني عليه ، وكانت قريش تسمي رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قبل أن ينزل الوحي الأمين فلما فرغوا من البنيان وبنوها على ما أرادوا ، قال الزبير بن عبد المطلب ، فيما كان من أمر الحية التي كانت قريش تهاب بنيان الكعبة لها : [ الوافر ] عجبت لما تصوبت العقاب * إلى الثعبان وهي لها اضطراب وقد كانت يكون لها كشيش * وأحيانا يكون لها وثاب إذا قمنا إلى التأسيس شدت * تهيبنا البناء وقد تهاب فلما إن خشينا الرجز « 1 » جاءت * عقاب تتلئب « 2 » لها انصباب فضمتها إليها ثم خلت * لنا البنيان ليس له حجاب فقمنا حاشدين إلى باء * لنا منه القواعد والتراب غداة نرفّع التأسيس منه * وليس على مساوينا « 3 » ثياب أعز به المليك بني لؤي * فليس لأصله منهم ذهاب وقد حشدت هناك بنو عدي * ومرة قد تقدمها كلاب فبوأنا المليك بذاك عزا * وعند اللّه يلتمس الثواب قال ابن إسحاق : وكانت الكعبة على عهد النبي صلّى اللّه عليه وسلم ثماني عشر ذراعا ، وكانت تكسى القباطي « 4 » ، ثم كسيت بعد البرود « 5 » ، وأول من كساها الديباج الحجاج بن يوسف . ( قلت ) ولم تزل على بناء قريش حتى احترقت في أول إمارة عبد اللّه بن الزبير بعد سنة ستين

--> ( 1 ) الرجز : العذاب . ( 2 ) تتلئبّ : تتابع في انقضاضها . ( 3 ) مساوينا : سوآتنا . ( 4 ) القباطي : ثياب بيض كانت تصنع بمصر . ( 5 ) البرود : ضرب من ثياب اليمن .